"ستينية النكبة".. والمراجعة المطلوبة ;

كتبهاأحمد ولد أكليكم ، في 25 مايو 2008 الساعة: 19:35 م

هل سينتظر الفلسطيني حتى تبلغ قضيته من العمر عتيًا؟ أما آن له أن يقوم بمراجعة موضوعية لستين عامًا من الفشل؟ أليس من الضروري أن نواجه أنفسنا اليوم بأن ذكرى النكبة الفلسطينية، ما هي إلا يومٌ شاهدٌ على عجزٍ فلسطيني وعربي وإسلامي عن استرجاع الحقوق؟ إلى متى سيبقى يوم الخامس عشر من أيار يومًا نذرف فيه الدموع، ونبث حسراتنا فيه على الملأ؟ ستون عامًا، أظنّها كافية كي نتوقف، لا لنستكين، بل لننظر إلى يوم النكبة في سياق آخر، بعيدًا عن استثارة العاطفة والوجدان، وقريبًا من استثارة العقل والفكر.

قديمًا أبدع الإغريق وعلى رأسهم أرسطو حين ناقشوا الكثير من الموضوعات الفلسفية الجدلية في سياق ثنائيات، الحق مقابل الباطل، والخير مقابل الشر، ورغم أن الفيزيائيون المحدثون، بدأوا بإهمال تلك التقسيمات الثنائية، إلا أنها مازالت صالحة لمراجعة فلسفية لكثير من القضايا الإنسانية، ومن بينها قضايا التحرير.

تأسيسا على ذلك، وعودة إلى تاريخ القضية الفلسطينية، سيجد الناظر إلى ستين عاماً مضت من عمر الفلسطينيين، أنها لا تنسجم ومنطق ثنائية الحق والباطل، أو الخير والشر. تاريخ الإنسانية يسير بخطين متوازيين، أحدهما يمثل النقيض للآخر، الحق أو الباطل متروك لكل فئة تراه في الخط الذي ينسجم مع فكرها ومبادئها وأهدافها. حين يكون الحديث عن الفلسطيني فإن أحد الخطوط يمثل أهدافه، والخط الآخر يمثل أهداف الاحتلال، كلٌ من الطرفين قد يرى خطه من يمثل الحق، ليس هذا بموضوعنا.

بوجود احتلال إسرائيلي، يفترض بالفلسطيني أن يسلك الخط المناقض لذلك الاحتلال، بمعنى أن يكون الهدف الفلسطيني واحدًا ضمن خطٍ واحد. وتبعًا للطبيعة الإنسانية التي تستوعب الاختلاف والتمايز، لا يفترض بالفلسطيني أن يخالف تلك الطبيعة، ومن الضروري أن يكون هناك تمايزٌ وتباينٌ في الرؤى. فكيف له أن يسير وفق خطٍ واحدٍ مناقضٍ للاحتلال، ومعبرٍ عن هدفٍ فلسطيني واحد في ظل ذاك التباين؟

فلسفيًا، وجود خطين متناقضين، وفي حالتنا خط فلسطيني وخطٌ للاحتلال، لا يلغي إمكانية الاختلاف بين الفلسطينيين أنفسهم، أو بين المجموع المكوّن لنقيضهم، لكن هذا الاختلاف الفلسطيني- الفلسطيني لا بد أن يكون مستوعبًا ضمن الخط الواحد، بحيث يكون الخلاف في آلية وطبيعة السير ضمن هذا الخط، لا خلافًا عليه.

مقارنةٌ سريعة في ضوء هذا الطرح بين الاحتلال والفلسطينيين، نجد احتلالاً إسرائيليًا يسير ضمن خطٍ واحدٍ تؤطره، وترسم ملامحه أهداف الصهيونية، فيما الخلاف المسموح ضمن هذا الخط، لا عليه مبدئيًا، فترى التيارات السياسية المتنوعة داخل المجتمع الإسرائيلي، لكن خلافهم وتنوعهم، في الأداة والأسلوب، وربما الأهداف الآنية المرحلية، لكن مستواه لا يرتقي إلى مرحلة نشوء خط آخر من حيث الهدف العام.

فلسطينيًا، الأمر مختلف تمامًا، التباين في الرؤى انتقل من مرحلة الخلاف ضمن الخط الواحد: (تحرير فلسطين)، إلى خلاف على ذلك الخط: (أي فلسطين نريد؟) المعادلة المنطقية كانت تفترض وجود تناقض بين الفلسطيني والإسرائيلي، الآن وبنشوء أكثر من خط فلسطيني، فإن تناقضًا فلسطينيًا مع الذات أصبح قائمًا، فيما تناقض الفلسطيني مع الإسرائيلي أصبح ضعيفًا لمصلحة الإسرائيلي، بحكم أن مسارًا فلسطينيًا جديدًا فقد صفة التناقض مع الاحتلال.

أساس التقدم والتطور، صراع الأضداد، شعب خاضع للاحتلال، يفترض أن التقدم بالنسبة له هو التحرير، بمعنى أن صراعًا سينشأ ما بين الإرادة الشعبية، والواقع المتمثل بالاحتلال، فتكون النتيجة تغييرًا لذلك الواقع، ولمصلحة تلك الإرادة كلما كانت قوية متماسكة فاعلة، مسخرةً مقدراتها لخدمة هدف التغيير. حين يتحول الفلسطيني إلى نقيض الفلسطيني، سيكون لصراع الأضداد نتائجه على الصعيد الداخلي، لا على مسار الاحتلال؛ لأن صفة التناقض معه كما أشرنا تلاشت.

أعلم أن القارئ للسطور السابقة لا محالة سيحاول إسقاطها على ما هو قائم من انقسام فلسطيني، متمثل في سيطرة حماس على غزة، وسيطرة فتح على الضفة، لكن مُتدبّر تلك السطور، لن يقف عند حدث ليس إلا شكلاً من ظواهر الإخفاق الفلسطيني في اختيار خط يمثل الهدف الوطني الأوحد. صحيح أن الانقسام الحالي يجسد التناقض الفلسطيني الداخلي، إلا أن حقيقة الأمر تشي بأن خطين فلسطينيين رسما قديمًا حين لم يعد تحرير الأرض هدفًا يتمتع بالإجماع.

من المجحف بحق الفلسطيني، أن يُجزم بأنه فقد تناقضه مع الاحتلال، لكنه عين العدل حين نشير أن التناقض أصبح جزئيًا ومنقوصًا، فلم يعد الفلسطيني يشعر بتناقض سوى مع إجراءات الاحتلال العسكرية، فإذا لم تقم إسرائيل بأي نشاط عسكري، فإن حالة من السكون العام ستسود، دلائله لا توحي بوجود احتلال، في حين أن شعورًا عامًا بدأ يسود أيضًا دلائله توحي بأن تناقضًا حقيقيًا بين الفلسطينيين قائم، وليس مرتبطًا بالضرورة باشتباكات عسكرية داخلية.

هي قمة النجاح للاحتلال ألا يرتبط وجوده في أذهان مناهضيه إلا من خلال صورته العسكرية، وشواهد التاريخ ملأى بصور متعددة للاحتلال، قد يكون العسكري منها أقلها ظهورًا.

مشاهدٌ كُثر تلك التي يمكن أن نسوقها للتدليل على أن التناقض فُقِد مع الاحتلال، وظهر جليًا بين الفلسطينيين، وبعيدًا عن التصريحات السياسية، والبيانات والمقابلات والخطب، فلنأخذ مشهدًا قد يظنه البعض بسيطًا، لكنه برأيِ من يتدبر المشهد أكثر خطورة من أي مشهدٍ سياسي أو عسكري آخر: أكثر من ستة شهورٍ مضت على تلك الزيارة إلى مدينة رام الله، كنت متجهًا حينها إلى أحد المراكز البحثية في المدينة، لم يحن وقت اللقاء بعد، قررت تمضية بعض الوقت في احتساء فنجان قهوة، في مقهى مشهور طالما تردد اسمه في المدن المجاورة، ما هي إلا برهةٌ من الزمن، وبعد أن اخترت لنفسي مقعدًا إلى جانب نافذة مطلة، لعلّي استشكف مدينة نادرًا ما أزورها، بدأت أسمع كلمات لا أدرك كنهها إلى جانب لحن لا يتماشى وكون الساعة ما قبل العاشرة صباحًا، كان وقوفي المتكرر على الحواجز الإسرائيلية كفيلاً بأن أعرف أن ما أسمع ليس سوى أغنية عبرية.

لم أفلح من خلال إيماءات وجهي بإقناع أحد هناك بتغيير تلك الأغنية، بدأت أُشغِل نفسي بما أرى من خلال تلك النافذة. هناك في الشارع المقابل للمقهى الذي أجلس فيه، يقف عشرات من الناس، يحملون لافتات ويرددون هتافات، مضمونها رفض لسياسات حماس، وتأييد لموقف عباس، تعبيرًا عن الخطين الفلسطينيين. مشهد كالذي سردناه يتكرر يوميًا وفي أماكن أُخر، كنتيجة تلقائية للانفصام الفلسطيني، ليس سياسيًا بين حماس وفتح، بل فكريًا بين مسارين أحدهما حتمًا لا يلبي المصلحة الفلسطينية، فكيف لانفصام كهذا أن يزول؟

المطلوب اليوم، وبعد ستين عامًا، من استثارة المشاعر الوطنية، أن نشهد ثورة في الفكر، تنتقل من دائرة النخب إلى الكل الفلسطيني. ليست القضية بحاجة إلى ثوار ولا ساسة، تحتاج إلى عقولٍ تبث المعرفة والثقافة، تحرر الإنسان قبل الأرض، وتكون عاملاً قويًا في تمكين الفلسطينيين من اتخاذ القرار المحدد، بخصوص الهدف العام. لن أُنظّر إلى أيٍّ من الخطين السابقين، لكن إن كان الخيار الفلسطيني تحررًا كاملاً من الاحتلال، فليكن بالمعلوم أن للخيار استحقاقاته، التي تستوجب ألا يتذمر أحد لانقطاع راتب، أو نقص في الوقود والغذاء.

––––––––––––––

vahimx5.maktoobblog.com

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر